آل حبيش في التاريخ

مشـــايخ آل حبيش

آل حبيش أسرة من مشايخ لبنان الموارنة ، يرقى اصلها الى قبيلة الهوازن ، وهي فخذ من قريش اعتنقت النصرانية على يد الرسولين " برتلماوس " و " توما " وهما في طريقهما إلى الهند ، فتوقفا في اليمن مبشرين بالنصرانية .

وكانت الهوازن كسائر أهل بلاد اليمن ، تدين بالصابئة ( وهي عبدة الإجرام السماوية كالشمس والقمر والنجوم ) قبل مجيء الرسولين . فلما جاء الإسلام وانتشر في شبه الجزيرة العربية ، تقلصت النصرانية بانتشاره ، على أن نصارى اليمن نزح بعضهم قبل ظهور الإسلام لدواع ٍ اقتصادية ، فلم يمسهم ضير عظيم بعد ظهوره وذلك بفضل الخليفة عمر بن الخطــّـاب الذي اكتفى بإجلاء من لم يعتنق الإسلام منهم . أما الذين لم يعتنقوا الإسلام فبارحوا اليمن وتفرقوا في الحجاز ثم تجمعوا ونزلوا في العراق ، ومنه خرجوا الى تدمر الشام ، فلبنان . وكانت اقامتهم بلبنان في بادئ الأمر في دير الأحمر . ومن هناك الى محلـّـة تقع بين يانوح والعاقورة سميّت تدمر والمعروفة حالياً بالخربة ، ودير الأحمر يقع في منطقة البقاع ، ثم في بلدة يانوح بجبّة المنيطرة ، من جرود جبيل .

لقــــب حبيش

جاء في معاجم اللغة ان كلمة حبيش الذي يتحلـّـى بالقوة والظرف . وتثبت بعض الأدلة التاريخية ان لفظة حبيش هي كنية أطلقت على المتحدرين من تزاوج نصارى الهوازن بأبناء مملكة الحبشة ثم امتد اللقب الى الأبناء فالأحفاد . والمعلوم ان الأحباش غزوا اليمن مرتين كما غزاها الأشوريون والأعجام والرومان والمصريون. فالغزوة الأولى كانت سنة 340 للميلاد ، لكنها لم تدم طويلاً ، وانتهت بجلائهم وباستعادة السلالة الحميرية الثانية ،  وقد وقعت بعدما اعتنق اليهودية الملك " ذو نواس" ، آخر ملوك " حمير " ، أراد  الانتقام من الأحباش  ، فجعل ينكـّـل بنصارى اليمن واعمل فيهم السيف بنجران في أثناء المذبحة الرهيبة الشهيرة في تشرين الأول سنة 523 م.

بعد جلاء الحبيشيين عن اليمن

أما الذين اعتنقوا الإسلام فظلـّـت قبائل كثيرة منهم في اليمن وغدوا أصحاب جاه وثراء واسعين ولربما دلّ على هذا الشأن الذي أحرزوه ، جبل في محافظة إب من أعمال اليمن ويعرف باسم " جبل حبيش " ، وفيه قصبة يطلق عليها حالياً " ظاهرة حبيش " ، وبلدة أخرى تدعى " صدر حبيش " ، وفي عدن ملعب أطلق عليه من بعد اسم " الشهيد حبيش " ، الذي استشهد في مقاومة إحدى الحملات البريطانية على اليمن .  وقد تعرف احد الحبيشيين اللبنانيين لوجودهم إبّان الحرب العالمية الثانية إذ كان من أعضاء الوفد الذي زار اليمن من قبل قيادة جيوش الحلفاء ، وان الحبيشيين المسلمين في اليمن يعرفون الكثير عن أقاربهم النصارى في لبنان ، ويتنسمون دائما أخبارهم .

في لبـنـــــــان

وما ان حط ّ الحبيشيون رحالهم في لبنان حتى وضعوا انفسهم في خدمة الطائفة المارونية ، والتفـّوا حول بطريركها للدفاع عنه ، وهو القديس يوحنا مارون اول بطريرك ماروني من رهبان دير ابي الطائفة القائم على العاصي ، فلجأ الى لبنان وجعل مركزه في كفرحي ( 685 ـ 707 ) فالتفت حوله ابناؤه من حبيشيين وغيرهم وصدوّا عن لبنان جيش " يوستينيانوس " الثاني المعروف بالأخرم الذي تبوّأ عرش القسطنطينية عام 685 ، وقد حاول اجتياح لبنان سنة 694 ، بعد الاتفاق الذي تم بينه وبين الخليفة عبد الملك بن مروان .

في يــــــــانوح

استتب الأمر لبني حبيش في يانوح ، حيث اقاموا ، وبسطوا الأمن ، ولعّل هذا ما شجّع البطاركة الموارنة حبساء " قنوبين " وسواها على اتخاذ يانوح مقراً لهم ، فجاء في الصفحة 261 من كتاب " سوريا اليوم " للدكتور " لويس لورته عميد معهد الطب في ليون " ، حاشية من مترجم هذا الكتاب الاستاذ " كرم البستاني " هذا نصها :

"  كان في يانوح معبد " المغيرة " اي المغارة الصغيرة ، يقال انه كان معبد الاهة الصيد " ديانا" حوّل الى دير سيدة يانوح وكان لزمن كرسياً لبطاركة الموارنة ، مدفون فيه اربعة منهم . وسبب اتخاذهم ايّاه كرسياً ان تلك المنطقة كانت حمى لمشايخ الحبيشيين حلفاء الحماديين ، فلجأ اليه البطاركة اتقاءًا للاعتداءات وهو اليوم شبه خربة ولا يزال فيه بقايا ابواب واعمدة تدلّ على عتقه ".

كما وان الاستاذ مارون عبود يقول في الصفحة 29 من كتابه " صقر لبنان " ما يأتي :

" فالبطاركة الاولون ـ من البطرك الرابع حتى الحادي والعشرين ـ كان مقرّهم في دير سيدة يانوح ، كانوا يعيشون عيشة تقشف ونسك ، لا يعنيهم من شؤون الطائفة اكثر مما يعني اعيانها من تدبير الشؤون المدنية . وكان هؤلاء الزعماء يحمون هؤلاء الرؤساء الدينيين ويناضلون دونهم . ثم انتقل الكرسي البطريركي من يانوح الى ميفوق وجوارها حين جلا عنها الشيخ حبيش جد الحبيشيين ، حماة البطريركية في يانوح ، واقام في غزير " .

حق المشورة لآل حبيش في تثبيت البطريرك الماروني

وبداعي هذه الحماية لم يكن منها بدّ لاستقرار البطريرك وسهره على ابنائه الروحيين امسى لهؤلاء الأعيان ، وخصوصاً الحبيشيين حماة البطريركية في يانوح ، حق المشورة في تثبيت البطريرك الماروني . فكان الحبر الأعظم بابا روما لا يثبته ، اي لا يعترف به بطريركاً على انطاكية ، ما لم يرق انتخابه اعيان الطائفة ـ الحبيشيين ثم الخازنيين فيما بعد .

فهناك وثائق ثابتة تؤيد هذا الزعم . فقد طلب البطرك جرجس بن عميرة من الكرسي الرسولي ان يثبته بدون موافقة المشايخ المذكورين فلم تجبه روما الى رغبته ، وعاد سفيره خائباً ، فاضطرّ الى استرضاء المشايخ الخوازنة والحبيشيين .
ومات البطرك عميرة الاهدني وخلفه البطرك يوسف العاقوري الذي ابطأ عليه درع التثبيت ايضاً ، فكتب الى الشيخ طربيه حبيش مستعيناً به ، وهذه هي رسالته بحروفها :

البركة الالهية تشمل جناب حضرة ولدنا الشيخ طربيه حبيش ادام الله شريف وجودكم للدوام .

غب اهدائكم البركة الالهية  ومزيد كثرة اشواقنا لرؤياكم السعيد والسؤال  عن خاطركم ان شاء الله يا جناب الشيخ تكونوا بكل صحة وتوفيق ونحن ربنا عاطينا صحة زائدة فقط نحن مشتاقين اليكم صار ماضي شهرين ما شفناكم نرغب مشاهدتكم ... ثم نعرض لجنابكم ما جدّ عندنا نهار الأحد حضروا لعندنا اخوتنا المطارين وتخاطبنا معهم بأشياء ماضية وحاضرة ثم رأينا معهم ان نبعث الى روميه المقدسة وبلاد الفرنج احد اخوتنا المطارين وهو المطران مخايل مطران طرابلس لأجل بعض اشغال وعند حضوره لداركم يعرض لجنابكم ما به الكفاية ومن كون لكم الشهرة بجميع البلدان وبالخصوص عن الدول بما انكم من اعظم اشراف جبل لبنان وهذا مبرهن عن الجميع ان سطوتكم مشهورة في الشرق والغرب ونحن واخوتنا المطارين  لنا امل زائد في جنابكم وافضالكم سابقة علينا وعلى عموم الطائفة بالمساعدة ومرغوبنا الآن من جنابكم ان تصبحوا اخونا المطران مخايل الذي هو متشرف بداركم العامرة بكتابة قوية ليكون معروف عند الدول وربنا يقدرنا على مكافأتكم ونحن واخوتنا المطارين فارضين صله حتى ربنا يحفظ لنا وجودكم لأنكم ملجأ للجميع واخوتنا المطارين يهدوكم اشواقهم القلبية وتكرار البركة الالهية .

                                                                   حررّ في 21 تموز سنة 1646
                                                                   الإمضاء : الحقير يوسف بطرس
                                                                             البطريرك الانطاكي

فقد ذكر البطريرك الدويهي الماروني في تاريخه عن يانوح ، انها كانت من اشرف القرى والمجالس في جبة المنيطرة في اواسط لبنان ، وان اهلها كثيرو الغيرة والعبادة ، ويظهر ان يانوح كانت عامرة زاهية قبل القرن السادس عشر ، بدليل ان البطريرك يوحنا مارون الثاني ، الذي كان يقيم في دير القديس " مارون " على ضفاف نهر العاصي ( بجوار مدينة انطاكية ) هرب من الدير المذكور الى قرية يانوح ، وظلّ بطاركة الموارنة من بعده زمناً طويلاً يتوارثون هذا الكرسي خلفاً عن سلف .

اهل يانوح والصليبيون

فتح الصليبيون مدينة انطاكية سنة 1099 ، ومدينة طرابلس سنة 1110 ، ثم اموّا اورشليم بغية الاستيلاء عليها ، يقول " غليام " اسقف صور اللاتيني ما ترجمته :

لما خيّـم الافرنج في مدينة طرابلس ، هبط اليهم جماعة من المؤمنين السريان والموارنة الذين يسكنون جبل لبنان قرب جبيل والبترون لأجل تهنئتهم وعرض خدماتهم عليهم ، فرحبوا بهم بعواطف الحب الأخوي واتخذوا منهم هذاة يرشدونهم الى الطرق وايسرها في تلك الجبال الهائلة التي كانت تعترضهم ، والمرجح ان بعض اهل يانوح كانوا ايضاً من ضمن اولئك الذين عرضوا خدماتهم على الصليبيين ، كما وضعوا ايضاً امكاناتهم العسكرية تحت تصرف الفرنجة.

النــــزوح عن يـــــانوح

اقام الحبيشيون طويلاً في يانوح ، على ان خلافات وقعت بين المشايخ الحبيشيين وجيرانهم الشيعة ، افضت الى اختلال الأمن ، وتفاقمت الحال بعد مقتل احد الزعماء الشيعة على يد الشيخ " خليل حبيش " واشتدت الخصومة حتى اضطر الحبيشيون الى الهجرة من يانوح ، فنزلوا
" غزير"  حيث صادفوا الراحة والامان ، بعد معركة مرج دابق التي انتهت باتصار السلطان العثماني سليم الاول ، ومصرع قانصو الغوري .

وجاء ايضاً في كتاب " تاريخ الأزمنة " للعلامة البطريرك " اسطفان الدويهي " ما نصه :

وفي سنة 1516 ، قدم الشيخ " حبيش" بن موسى بن عبد الله  بن مخايل مع عياله من يانوح الى غزير كسروان واستوطنوها ، وكان له اربعة اولاد وثلاثة اخوة .

اما اولاد الشيخ حبيش المشار اليهم فهم :

ابو يونس ( سليمان )
ابو منصور ) يوسف )
ابو ابراهيم ( خليل )
ابو مهنا ( الزين )

اما خليل الآنف الذكر ، الذي لقب بــ " الملاّط " بعد قتله الزعيم الشيعي ، فذهب واستوطن قرية " فالوغا " في قضاء المتن الجنوبي مع سلالته واتخذ بلدة بعبدا مقرا" له ، ولا يزال الملاّطيون من سكانها حتى اليوم . وقد كان منهم وما يزال رجال علم وأدب وقانون .

اما " يونان " اخو الشيخ " حبيش " فقد لقب بالحاج لأنه زار القدس الشريف ،     واختار ناحية " جبيل "  مقاماً ، فنزل قرية " إده " المعروفة ، ولكنه اخفى على الناس كنيته الحبيشية تفادياً للإنتقام ، اذ كانت " جبيل " وقراها في ذلك الحين تعجّ بالعشائر الشيعية . هذا وقد شاع في المنطقة عندئذٍ اسم " يونان " فلقب هو بلقب " إده" تميزاً عن سواه ، باسم القرية التي استوطنها وتملّك فيها ، ومنه سلالة إده المعروفة حالياً في لبنان . وقد جاء في مقال للأستاذ جرجي نقولا باز بجريدة البيرق  الغراء تاريخ 3 و 4 تشرين الاول سنة 1949 ما يأتي :

جاء " يونان بن موسى عبد الله " اخو الشيخ " حبيش " جدّ الأسرة الحبيشية الكريمة فجر الجيل السادس عشر من دير الأحمر في بلاد بعلبك الى يانوح ، وتوّطن إده ، وتكاثر نسله فيها ، واشتهر منهم عدد كبير .

اما القليل ممّن بقوا من عائلة حبيش اليانوحية فلم يلحقوا بنسيبهم الشيخ " حبيش " وأولاده واخوته ، وانما تفرقوا ، فمنهم من عاد الى دير الأحمر حيث تكاثرت سلالتهم ـ عائلة حبشي الحالية ـ ومنهم من استوطن قرية " كفرزينا " في زاوية " بشري وحافظوا على اسم حبيش ومنهم مختار البلدة المرحوم " وهيب حبيش " الذي قتل خطأ في الموقعة التي حدثت بكنيسة "مزيارة" سنة 1957 ومنهم فريق استوطن منطقة عكار والقبيات تحديدا وقد حافظوا على اسم العائلة ورفعوا رأسها عاليا ومنهم الوزراء والنواب والقائمقامين والمحامين ومنهم من ركب البحر واتخذ بعض الجزر التركية واليونان وسواها مقاماً ، وقد عاد منهم الينا منذ اربعين سنة بعض الانسباء . بينهم المدعو سليم حبيش ومنهم من استوطن فلسطين ويعرفون هناك بعائلة الكسار .

 

 
  Home Next Page
Previouse Page