سياســـــة الدولة

اما السياسة الدولية فقد اظهر فيها من الفطنة والغيرة والثبات ما جعله محوراً في الحوادث الخطيرة التي كادت تذهب باستقلال لبنان وأرواح ابنائه .

  • ثروة 1840 :  كان الأمير بشير الكبير قد تحالف ومحمد علي باشا ، عاهل مصر ، على ان يساعده في ضم سوريا ولبنان الى مملكته شرط ان يعزز استقلال لبنان ، ويطلق يد الامير في ادارته . ولما تم لخديوي مصر الامر ، اخذ عمّاله يسيئون الى اللبنانيين ويرهقونهم بالضرائب والرسوم واحتكار الموارد والتعسف حتى نفروا منهم القلوب وجعلوهم يترحمون على عهد الدولة العثمانية . ولم يكتفوا بذلك بل عن لهم الحاق لبنان بدولتهم فاحتل ابراهيم باشا ، قائد جيشهم دير القمر ونزع من الدروز سلاحهم وجند بعض شبابهم في النظام المصري ، فعصوه وثاروا عليه وانجدهم بنوا قومهم من دروز حوران ووادي التيم فكسروا جيشه مرتين في وعور اللجا .

فطلب ابراهيم باشا من الأمير بشير انجاده ببضعة آلاف من مسيحيي لبنان . فاعتذر له منبهاً على سوء مغبّة الايقاع بين العنصرين اللبنانيين ، ولكنه لم يقبل له عذراً وضغط عليه . فجند له ثلاثة آلاف مقاتل من المسيحيين ، سلّحهم ابراهيم باشا ووعدهم بابقاء السلاح في ايديهم دفعا لثأر الدروز منهم . فنازلوهم بجانبه وتمكنوا من قهرهم فأضمر لهم الدروز الحقد والثأر  ولما تغلب ابراهيم باشا على الدروز عاد الى تجنيدهم في النظام ثم عمد الى تجريد النصارى من السلاح ، الذي وهبهم اياه وحاربوا به الدروز بجانبه فثأروا بدورهم عليه بقيادة ابي سمرا غانم الباكاسيني والشنتيري والأمير بشير ملحم الشهابي ، والشيخ فرنسيس الخازن .

وعمت الثورة لبنان كله من اقصاه الى اقصاه . وكان بطريركنا مستاءً من معاملة المصريين لابنائه فلم يحرك ساكناً في سبيلهم ، مع تشددّ الأمير بشير عليه .

وكانت بريطانيا واقفة بالمرصاد لمحمد علي باشا خوفاً من ان يقيم امبراطورية مصرية على انقاض الامبراطورية العثمانية . فأوفدت الى لبنان شاباً كاثوليكياً يدعى ريشار وود كان قد اقام بين الموارنة وصادقهم وتعلم العربية في مدرسة عين ورقة . فجاء المذكور وشددّهم ووعدهم بنجدة الدول الاوروبية . وقطع عهداً للبطريرك من قبل الدولة العلية بانها تحفظ حكم لبنان لامارة مارونية وتخفف عنه الضرائب وتترك له حريته التامة . ثم اقبلت اساطيل الدول الاوروبية السبع الى بيروت وانزلت في صحراء جونيه عشرة آلاف عسكري عثماني وزوّدت الثوّار المال والسلاح . وما زالوا يناوشون الجيش المصري وينازلونه بجانب الجيش العثماني حتى اخرجوه ليس من لبنان فحسب ، بل من سوريا وفلسطين .

فسر السلطان من مقاومة الموارنة وحسبها اخلاصاً لعرشه ، لا خلاصاً من المصريين . فأهدى بسعي ريشار وود المذكور ، الى بطريركنا النيشان العثماني المرصّع . فخاف بطريركنا ان هو تقلـّـده ان يحسب عليه تقلــّده اعترافاً بالتبعية العثمانية . فبدلاً من ان يضعه على صدره وضعه على الرف . لكنه طلب على يد ريشار المذكور ان يعيّن الياس حوّا ، الوجيه الماروني الحلبي ، وكيلاً له في الآستانة ليتعاطى شؤون طائفته ولبنان رأساً مع الباب العالي . فأجيب الى طلبه هذا والى طلبه الآخر في تخفيف الضرائب عن اللبنانيين الى ربع ما كانت عليه في عهد المصريين . وعيّنت الدولة الأمير بشير ملحم شهاب حاكماً على لبنان  بدلاً من الأمير بشير الكبير الذي نفته الى مالطا .

  • مذبحة سنة 1841 :  على ان الأمير بشير ملحم ، الملقب بأبي طحين ، اساء السلوك ، واستقل برأيه وشمخ وتجبر ولم يعر نصائح  البطريرك وارشاده شأناً . واختلف مع الدروز على املاك في البقاع فشدّد عليهم وأذلهم فحنقوا عليه وقصدوا اليه بجموع من بني قومهم الحورانيين والتيميين الى دير القمر فحاصروها . ثم انقضوا على نصارى الشوف فأعملوا فيهم السيف والنار ... فاستنجد اهالي دير القمر بالطريرك فكتب الى امراء الموارنة ومشايخهم يستنهضهم في اسعاف اخوانهم فجمعوا رجالهم وجهزهم البطريرك بالمال والذخائر من اسعافات وردت اليه من النمسا .

على ان المجتمعين اختلفوا على الامارة بين الأمير ملحم شهاب والأمير بشير الكبير . فتقاعسوا  عن انجاد دير القمر حتى وقع فريسة الدروز المحاصرين الذين اخرجوا الأمير بشير ملحم مذلولاً وانقضوا على السكان قتلاً ، وعلى بيوتهم نهباً وحرقاً ، بمساعدة المتصرف التركي . ثم تغلبوا على مقاومة اهالي جزين وبقية القرى المارونية فاعملوا فيهم السيف والنار . ولم  يبق امامهم من قوة سوى بلدة زحلة . فتجمع عليها في البقاع بقيادة شبلي العريان اكثر من ستة آلاف مقاتل سلحهم والي دمشق وجهزهم بالذخائر . فتيقن بطريركنا ان هم تغلبوا على زحلة اجتاحوا كسروان . فأخذ يبعث سراً الى السيد باسيل شاهيات مطران الروم الكاثوليك فيها بقناطير البارود والرصاص . وبالبنادق ذات الخرطوش . فعبأوا الخرطوش وخزنوه ، ولما بلغ الدروز قب الياس استعداداً لمهاجمة زحلة اوفد البطريرك ابا سمرا غانم والشنتيري ببضع مئات من الرجال المسلحين احسن تسليح والمدربين على القتال على انهم لما دخلوا البلد امرهم المتسلم بالخروج حالاً بحجة ان الدولة متكفلة بحماية المسيحيين ، فخرج ابو سمرا بناءً على اشارة البطريرك بمئة من الشيوخ العزل ، وابقى رجاله مخبئين بين الاهالي . حق اذا داهم الدروز البلدة ليلاً بعدما حرقوا بيتين او ثلاثة في مدخلها ، ولما صاروا في قلبها انقضوا عليهم بغتة مع شبان زحلة وجندلوا منهم اربعماية وعشرين . فاسقط في ايديهم واركنوا الى الفرار والهدوء وكان ذلك نهاية الثورة ونجا مسيحيو لبنان من كارثة مدبرة لافنائهم بفضل البطريرك وسخائه وحسن تدبيره .

  • الحكم العثماني :   واحتج البطريرك اشد الاحتجاج على هذه المذابح وعلى مساعدة عمال الدولة للمعتدين على افناء مسيحي لبنان . وطالب بالقصاصات الصارمة وبالتعويضات للمنكوبين ، فضلاً عن ردّ الاسباب . فرفع السفراء في الآستانة مذكرة الى الباب العالي بتأييد هذه المطالب ورأى الحاكم الفرصة سانحة لضم لبنان نهائياً الى ولايات الدولة ، فأوفد الى بيروت مصطفى باشا النوري مصحوباً بعمر باشا النمسوي . وكان هذا الأخير مسيحياً فاسلم وقاد فرقة من الجيش العثماني في محاربة المصريين . ولما قدم مصطفى باشا خف لاستقباله القناصل والاعيان ووفود من الدروز . وكلف البطريرك المطران طوبيا عون ان يتراس وفداً من اعيان الموارنة والروم الكاثوليك للسلام عليه . ولما مثل بين يديه ، سأله لماذا لم يأت البطريرك بنفسه للقيام بواجبات الخضوع والترحيب . فاعتذر له بمرضه . فاجاب اذا كان مريضاً فليأت على تخت روان . فابى البطريرك مقابلته وشددّه في موقفه قنصلا فرنسا والنمسا .

وكانت النمسا قد فكرت ان تحل في الشرق محل الدولة الفرنسية في حماية الكاثوليك بعد ان رأتها تتقهقر امام السياسة البريطانية التي كانت تتقاعس عن حمايتهم . ولما طلب بطريركنا من الحبر الاعظم اسعاف الملوك المسيحيين للمنكوبين في محاربة  الجيش المصري ، تبرع امبراطور  النمسا من ماله بمبلغ كبير ، وأمر بجمع التبرعات في مملكته فبلغت 850 الف غرش ، سلّمها مندوبا منه الى بطريركنا . فاستعان بها للنفقة على مقاومة تعديات الدروز في المذبحة الأخيرة كما سبق القول . وكان قناصل النمسا وسفراؤها يسندونه في جميع طلباته واحتجاجاته .

اما مصطفى باشا فلما جاء الأمير بشير ملحم للسلام عليه ، جرّده من نيشانه ورتبته وأرسله مخفوراً الى الآستانة ثم جمع اعيان البلاد وطلب منهم توقيع عريضة يسالون فيها الباب العالي تعيين حاكم عثماني على لبنان . فما ان درى بطريركنا بالامر حتى نبّه اعيان الطائفة بوجوب الامتناع ، فامتنعوا ولما هددّ المشير المطران طوبيا عون ، اجابه بجرأة انه مستعد لسفك دمه في سبيل الحفاظ على استقلال وطنه .

على ان المشير لم يعبأ بهذه المقاومة ، وفي اوائل السنة 1842 عيّن عمر باشا النمساوي حاكماً على لبنان ، فاخذ يتودد الى البطريرك ويتقرب من الموارنة فعين ابا سمرا غانم قائداً للجيش اللبناني والشنتيري مساعدا له والشيخ فرنسيس الخازن حاكما على كسروان ، واخذ يطارد زعماء الدروز ويضيّق عليهم وسجن بعضهم ، فحنقوا عليه وحاولوا الاتفاق مع الموارنة عليه فحذر بطريركنا الموارنة من الوقوع في شباكهم .

وحدث ان قتل المشايخ الدحادحة اثنين من المشايخ الحبيشيين ، فارسل عمر باشا وراءهم فرقة من الارناؤوط عبثت بالقرى والاديار , ولما علم بهربهم الى لبنان الشمالي ، كلف والي طرابلس القبض عليهم .

فارسل هذا فرقتين الواحدة صعدت الى سبعل واحرقت كنيستها ، والثانية الى اهدن صدها الاهدنيون بقيادة الشيخ بطرس كرم وقتلوا منها 40 جنديا . فاراد الباشا اقتحام جبة بشري والتنكيل بزعمائها . فكتب اليه بطريركنا يثبت الذنب على العسكر وهدده بثورة تعم لبنان كله ان هو تعدى على هذه المقاطعة فاقتنع او تظاهر بالاقتناع ، واظهر الرغبة في زيارة المقاطعة فاشترط عليه ان يقدم بمفرده . فاذعن للأمر ، وعندما وصل احتفى به الاهلون .

وانتهز الفرصة فزار البطريرك واكثر له من الوعود والعهود آملا ان يقبل بتعيينه حاكما . فاجابه بصراحة : ( انك من اكفاء الاشخاص لتولي حكم لبنان ، انما عيبك هو انك عثماني اجنبي ، ونحن لا نقبل علينا حاكما الا اذا كان لبنانيا مارونيا ) .

  • القائمقامان :   لما يئس مصطفى باشا من حمل الموارنة على قبول الحاكم العثماني ، عمد الى تزوير اختام بعض اعيانهم وختم بها عريضة بقبوله ، وارفقها باخرى وقعها بعض اهالي الجنوب بالتهديد والاغراء ، اما بطريركنا فاوفد اللا الآستانة الخوري نقولا مراد فحمل سفراء الدول الاوروبية السبع على تقديم احتجاج شديد اللهجة الى الباب العالي على خرقة الدستور اللبناني وحنثه بالعهود التي قطعها لهم البطريرك الموارنة بابقاء حكم لبنان في يدي امير ماروني . وطالبوا ، نزولاً عند رغبة البطريرك ، باعادة الأمير بشير الكبير الى حكم لبنان ، لانه الوحيد القادر على ضبط اموره في الاحوال الحاضرة . وكان بطريركنا قد اشار على الأمير المذكور بانتقال الى الآستانة والسعي في استرضاء ولاتها عليه . فعمل بنصيحته وسافر اليها مع اسرته وبطانته وتمكن من اكتساب تاييد سفراء الدول . ولما ابرز الصدر الاعظم امام السفراء عريضة اللبنانيين بقبول الحاكم العثماني ، اعترضوا جميعهم بانها مزورة . فاعترض بدوره على اعادة الأمير بشير الكبير واتهمه بانه خان الدولة العثمانية مرتين ، وحاربها بجانب المصريين عند دخولهم سوريا وعند خروجهم منها . وزاد قوله بان الدروز لا يقبلون عليهم حاكما نصرانيا . فاقترح السفير البريطاني ان يشطر لبنان شطرين يتولى امير درزي شطره الآهل باكثرية درزية ، وشطره الآخر امير ماروني . وكانت النمسا قد تحققت ان الموارنة لا يقبلون بها بديلا عن فرنسا ، فأيد سفيرها الاقتراح وجرّ وراءه بقية السفراء ، ما عدا سفير فرنسا ، فقد قبله بصورة موقتة وتحت التجربة . ام الباب العالي فرأى ان هذا الحل من شأنه ان يزيد شقة الخلاف بين الموارنة والدروز ويفسح في المجال للدولة لتقضي نهائيا على استقلال لبنان . فقبل به وعزل مصطفى باشا وعمر باشا . وأوفد سليم بك الى بطريركنا يساله عن الشخص الذي يختاره لحكم الشطر الماروني . فلم يجد بطريركنا مناصا من قبول هذا الحل الذي يعيد الى لبنان استقلاله المفقود . فاختار الأمير اسماعيل ابي اللمع . وعين سليم بك الأمير امين ارسلان حاكما على الشوف . وكان ذلك في اوائل سنة 1843 .

استعادة مقاطعات الشمال :   وادرك  الباب العالي ان إلحاق ثلثي لبنان بالإمارة المارونية يزيد في مكانتها ، فسلخ عنها مقاطعة جبيل والبترون والكورة وجبّة بشري وضمها الى طرابلس . وهذه المقاطعة عيّن عليها مسلماً عثمانيا وفرض عليها ضريبة إضافية علاوة على ضريبة لبنان العامة .

فسافر الخوري نقولا مراد الى باريس بإيعاز من البطريرك وقدم الى حكومتها التقرير تلو التقرير مبيناً الإجحاف اللاحق بطائفته من وراء هذا التدبير . لان لبنان الشمالي مهدها وقلبها ومقر بطريركها ومعظم بنيها ، فضلاً عن الزامهم بضريبة مضاعفة . فساندته الوزارة الفرنسية في مطلبه وحملت سفيرها في الآستانة على الاحتجاج. فأسرع الباب العالي الى إعادة المقاطعات المسلوخة وإعفاء أهلها من الضريبة الإضافية .

بقي مشكل القرى المارونية التي وقعت في حكم القائمقام الدرزي . فعاد بطريركنا الى اطلاع سفراء الدول على خطر وضع ابنائه تحت رحمة اعدائهم . وهؤلاء هم الذين نكلوا بهم بالامس اقسى التنكيل ، وما زال حتى رضي الباب العالي بتعيين وكيل ماروني في كل من هذه القرى ، يرجع اليه ابناء ملّته في جميع شؤونهم ، وهو يتعاطاها مع القائمقام الدرزي .

فانت ترى ان البطريرك يوسف حبيش قد اصبح بفطنته ومرونته ووطنيته النيرة ، مرجع الرسولي في الشرق ، كما انه اصبح محور السياسة الدولية فيه . ولولاه لنزلت بالطائفة ولبنان اكبر كارثة ، افقدت لبنان استقلاله وذهبت بارواح ابنائه المسيحيين .

ويقول الاستاذ مارون عبود في كتابه " صقر لبنان " صفحة 23 ، مما يأتي :

كانت بتدين المير ، بيت الدين والدنيا ، فعندما بسط الأمير بشير سلطانه على الجبل واستقل بالولاية مشت السلطتان المدنية والدينية جنباً الى جنب . امير اقطاعي جبّار عنيد وبطرك جسور مهاب من سلالة اقطاعية اشتهرت بالسيف ، وحمت ذمار البطريركية في " يانوح " حقبة من الزمن ، وكلا السيدين الوالي الشهابي والبطريرك الحبيشي من مواليد كسروان ، بل غزير ، قصبة المقاطعة الكسروانية . كلاهما اقطاعي دكتاتوري الطبع ، فلا عجب اذا دعم احدهما الآخر .

ويقول السيد هنري غيز (Henri Guys ) قنصل فرنسا ( من سنة 1825 الى 1839 ) بكتابه " بيروت ولبنان " ان بطريرك الموارنة الحالي هو من عائلة حبيش التي تنازع آل الخازن صولجان الأقدمية في النبل والشرف . لقد مرّ عهده البطريرك ، حتى يومنا هذا ، في مآزق حرجة جداً . فاذا ما قلنا انه قدر ان يحمي دائماً حقوق طائفته ويصونها في النكبات الجلىّ  التي تعرضت لها ، فذلك يعني اننا وفيناه ما يستحقه من الثناء واشدنا بذكره كل الاشادة.

كانت علاقتي مع هذا البطريرك كثيرة وعفيفة .  وقد أسفت عندما اضطررت إلى مغادرة بيروت بعد إقامة أربعة عشر يوماً  فيها ، لأنني لم احمل معي الى وطني ذكرى جميلة وعذبة عن علاقاتي مع بطريرك الموارنة الذي قمت نحوه ونحو رجال الاكليروس وشعبه بكل ما يجب عليّ .

وكي لا يخيّل إلى أحد إن معارضة هذا البطريرك ناتجة عن قلة تعقله بفرنسا ، فأرى لزاماً عليّ  أن أقول :  إن جميع شؤون الجبل ، مهما يكن نوعها ، ولا استثني منها شؤون الراهبات ، هي خاضعة لتأثيرات تسيّر عليهم طبيعتهم ويريدون أن يقوموا بها .
ويقول ايضاً "غيز" في موضع آخر من مذكراته عن كسروان :

كسروان : ان مشايخ هذه المقاطعة هم كم آل حبيش الذين يمثلون مع آل الخازن اكبر اقطاعبي الجبل والقوى المسلحة فيه .

المثلث الرحمات المطران فيلبوس حبيش
رئيس اساقفة حماة  1791   ـ  1858

نشأ من الأسرة الحبيشية الطيّبة الأرومة والمؤثلة الكرم والرائعة الشهرة افاضل من رجال الدين تعززت بهم الهيئة الوطنية وبعد صدى تعاليمهم الناجعة في النفوس ، وما ذاك الا لأنهم ملأوا مراكزهم ووفوا كراسيهم حقها من الخدم الجليلة وقلدوا الشعب حلية من المراشد والنصائح في الأفعال والأقوال واحد هؤلاء المتفردين في تقوى الله وخدمة القريب وصنع الجميل وكرم اليد صاحب هذه الترجمة نقولا ابن الشيخ جوان بن نمر شقيق البطريرك يوسف حبيش . وأمه ظريفه ابنة الشيخ ياغي بن جنبلاط حبيش . اقبل على عالم النور في قرية ساحل علما 1791 فنزع به ميله الى انتهاج المنهج الكهنوتي فاتشح بالثوب الاكليريكي ودخل مدرسة عين ورقة الشهيرة في عهد المطران يوسف اسطفان وهناك تلقن المعارف المقتضاة ولما تمت دعوته الى خدمة الله والقريب رفعه الى الدرجة الكهنوتية المطران انطون الخازن أسقف بعلبك .

وكان المطران يوسف اسطفان يجل فضيلته واجتهاده فولاّه ادارة شؤون المدرسة المشار اليها فخدمها بملء النشاط والهمة مدة غير قليلة الى ان عيّنه السعيد الذكر البطريرك يوحنا الحلو مديراً لشؤون دير حراش فسهر  على نجاح الدير وبذل في سبيل ترقيه قصارى الغيرة غير تارك وسيلة تكفل تقدمه وعمرانه ومن ثم طلبه الأمير حيدر شملان من السيد البطريرك للقيام بخدمة الروحيات في داره ولما توفي الأمير المشار اليه قلده البطريرك ادارة شؤون دير الزيارة في عينطورة فصرف عنايته  الى اسعاده وبنى كنيسة هذا الدير القائمة حتى الآن  وفي سنة 1836 استدعاه اخوه البطريرك يوسف حبيش واقامه رئيسا على دير مار جرجس علما فجدد له املاكا كثيرة وزاد في بنايته  وابدى من المآثر وثبات العزم والهمة ما اهّله للارتقاء الاسقفي فرقاه اليه غبطة شقيقه المشار اليه في 18 آذار سنة 1841 وسقفه على حماة شرفاً وجلاه باسم فيلبس فاستمر يدير شؤون ديره بغيرة وهمة ونشاط وهو قدوة في الزهد والنسك وسلامة الطوية وشرف الضمير الى ان دعاه ربّه  اليه فلباه في 8 شباط سنة 1857 ودفن في كنيسة الدير الى جانب رفات عم ابيه المطران يوسف ياغي حبيش مأسوفاً على فضله وصلاحه . روح الله في جنان خلوده بين اثقيائه وجنوده .

 

 
  Home Next Page
Previouse Page